الشيخ عبد الغني النابلسي
59
كتاب الوجود
وهذا الوجود الثاني الذي سميناه حادثا باعتبار اتصاف الحوادث به عند العقل بغلبة الوهم هو نور محمد صلى اللّه عليه وسلم « 1 » الذي خلق اللّه تعالى منه كل شيء كما ورد في الحديث . وقال تعالى : وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا « 2 » . ، وقال تعالى : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 3 » أي ما الوجود الذي قامت به السماوات والأرض . وقال تعالى : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ « 4 » . وقال تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 5 » ؛ أي : وجودهما الذي أنارهما ، أي أظهرهما ، فكان هو الظاهر بهما ثم ضرب له مثلا فقال : مَثَلُ نُورِهِ « 6 » . أي وجوده الذي هو نورهما : أي وجودهما كمشكاة أي كوة غير نافذة ؛ لأنها تجمع النور مع زيادة إشراقها به فيها مصباح أي فتيلة مشتعلة ، مثال لتجليه وظهوره .
--> ( 1 ) يقصد به حديثا فيه كلام كثير في خلق الكون من نور النبي صلى اللّه عليه وسلم وقد اتفق علماء الحديث على ضعفه . ( 2 ) سورة التغابن ( 8 ) . ( 3 ) سورة يونس ( 101 ) . ( 4 ) سورة الأنعام ( 3 ) . ( 5 ) سورة النور ( 35 ) . قال ابن عباس : هادي أهل السماوات والأرض ، وعنه : يدبر الأمر فيهما نجومهما وشمسهما وقمرهما ، وعن أنس بن مالك قال : إن اللّه يقول نوري هدى واختار هذا القول ابن جرير . وعن أبي بن كعب : هو المؤمن الذي جعل اللّه الإيمان والقرآن في صدره فضرب اللّه مثله فقال : اللّه نور السّماوات والأرض فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فقال : مثل نور من آمن به . وعن ابن مسعود قال : إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور العرش من نور وجهه . تفسير ابن كثير ( 3 / 280 ) . ( 6 ) سورة النور ( 35 ) . في هذا الضمير قولان : أحدهما أنه عائد على اللّه عز وجلّ . أي مثل هداه في قلب المؤمن . قاله ابن عباس كمشكاة . والثاني : أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام المطابق لما هو مفطور عليه كما قال اللّه تعالى : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ . فشبه قلب المؤمن في صفاته في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري وما يستمد به من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف . والمشكاة : كوة في البيت . قال : وهو مثل ضربه اللّه لطاعته فسمى اللّه طاعته نورا ثم سماها أنواعا شتى . . . إلى آخره . تفسير ابن كثير ( 3 / 280 ) .